على مدار سنوات كان التعامل مع أطفال التوحد غير واضح بالنسبة لكثير من الأمهات والآباء والذين لا يدركون ما يتوجب عليهم فعله تجاه أطفالهم خاصة مع اكتشاف الاضطراب في وقت متأخر، ومع زيادة عدد أطفال التوحد كان لابد من  نشر الوعي بكل ما يخص طيف التوحد وكيفية اكتشافه وكيف يمكن التعامل مع هؤلاء الأطفال ودمجهم في المجتمع بصورة طبيعية، لذا التقينا باثنين من المتخصصين في التعامل مع أطفال التوحد وهم رانيا عبد العزيز ونجوى خضر...

تعريف بالأخصائيين...

رانيا عبد العزيز هي مؤسسة منصة Hope and Beyond لدعم أمهات أطفال التوحد في التعامل مع أطفالهن، حيث درست رانيا برنامج DIR Floortime والمسئول عن التواصل مع الأطفال الذين يعانون من اضطرابات في التواصل كما أنها حاصلة على شهادة The Listener Program Provider والمسئولة عن مساعدة الأشخاص الذين يعانون من المشاكل السمعية، رانيا أيضًا أم لطفلة تبلغ من العمر ١٠ سنوات كما أنها ترعى ابن شقيقها الذي تم تشخيص حالته باضطراب طيف التوحد، لذا فهي من خلال تجربتها ودراستها تحاول نشر معلومات عن التوحد بصورة إيجابية تساعد الجميع.

 أما نجوى خضر فهي أخصائية تدخل مبكر كما أنها مدربة DIR Floortime دولية معتمدة، وهي متخصصة في منح كورسات لآباء وأمهات أطفال التوحد إلى جانب كورسات إلى الأخصائيين حول العالم في طرق التعامل مع أطفال التوحد بناء على نهج تنموي مبني على الفروقات الفردية بين الأشخاص.

-يوجد أشخاص كثيرين لا يعرفون ما هو "التوحد" بالتحديد، هل يمكنك تعرفيه لنا؟

تجيب علينا رانيا قائلة، التوحد باختصار هو اضطراب في النمو العصبي للمخ وهو ما يعني بشكل مبسط أن هناك اضطراب حدث للمخ في مراحل النمو وتطور المهارات وينتج عنها مشاكل حسية أو تأخر في الكلام، ومشاكل في العضلات الكبرى والصغرى، مشاكل سلوكية وغيرها العديد من المشاكل.

"ليس من المهم البحث عن سبب التوحد ولكن المهم تقبل الأمر والتعامل مع الطفل بشكل مناسب"

-هناك الكثير من المعلومات المنتشرة هنا وهناك عن أعراض التوحد المبكرة وبعضها مغلوط، لكننا نريد أن نعرف حقًا ما هي الأعراض المبكرة للتوحد؟

أكدت كل من رانيا ونجوى على أن أعراض التوحد يمكن أن تظهر في سن صغير ويمكن ملاحظتها من ٦ شهور لـ سنة وتزداد قوة ووضوح بعد عمر السنة، وتكون متمثلة في أشياء محددة وهي صعوبات في المهارات الاجتماعية، صعوبات في مهارات التواصل، سلوكيات متكررة، تأخر في الحواس، حيث لا يقوم الطفل بالأشياء التي من المفترض القيام بها في هذه المرحلة مثل، نطق كلمات بسيطة للغاية، لعب تفاعلي بسيط، وغيرها على عكس أطفال التوحد فهم في الغالب إما يفعلون أشياء بشكل متكرر كاللعب بالعربة، أو مطاردة خياله مع اللف في دوائر، أو الوقوف أمام الغسالة، لا يستجيب في حال مناداته، من الممكن أن يفقد بعض الكلمات التي كان ينطقها في السابق، عدم القدرة على التعبير، لديه هوس خاص بالأرقام والحروف، فهو ينظر إليها بشكل متكرر وينطقها هي فقط.

أيضًا التوحد من الممكن أن تصاحبه أعراض أخرى مثل، كمشاكل في التخاطب، مشاكل في التواصل الاجتماعي، ضعف العضلات الصغرى والكبرى، وعادة يمكن يصاحبه ADHD وهو فرط الحركة وتشتت  الانتباه، مشاكل في التوازن، وغيرها.

-هل يمكن أن تختلط أعراض التوحد مع أي اضطراب آخر؟

نعم من الممكن أن تختلط أعراض التوحد مع أي اضطراب آخر، فيمكن أن يكون الطفل يعاني من فرط الحركة وتشتت الانتباه فقط، أو يعاني فقط من تأخر لغوي وللأسف في أحيان كثيرة يتم تشخيص الطفل بالتوحد دون أن يكون لديه من الأساس، لذا لابد أن يكون الاختبار دقيق قدر الإمكان.

-في حال شكت الأم أن طفلها لديه توحد، ما الذي يجب عليها فعله وهل توجد اختبارات محددة يجب أن تجريها؟

في البداية يجب إجراء اختبار مقياس السمع، للتأكد أن الطفل لا يعاني من أي مشكلة عضوية وبعد ذلك يجب على الأم التوجه للمراكز المتخصصة لإجراء اختبارات التوحد، والتي يتوافر بها أطباء متخصصين لإجراء هذه الاختبارات، وبناء عليها يكون هناك صورة كاملة عن درجة التوحد، نسبة الذكاء، ولا يفضل في البداية بالتوجه لأطباء آخرين، مثل أطباء الأطفال أو أطباء المخ والأعصاب، لأنه لا توجد مشكلة عضوية إلا في حال شكت الأم في أن هناك تشنجات مثلا، أما دون ذلك فيجب التوجه للمتخصصين بكل ما له علاقة بالتوحد، مثل أخصائي المهارات، أخصائي التخاطب، أخصائي تربية رياضية وغيرهم لأنهن جميعهم مجتمعين يشتركون في وضع خطة قصيرة المدى للطفل تبلغ مدتها ٣ شهور، بناء على قدرات الطفل واحتياجاته الحالية، وبعدها يتم تقييم الطفل كل ثلاثة أو ستة أشهر، من أجل متابعة تطور وضع الطفل.

ملاحظة: يجب التأكد دومًا من أن الشخص الذي يجري اختبارات التوحد، هو طبيب معتمد وليس مجرد أخصائي.

"أطفال التوحد طبيعيون ولكن لديهم بعض الاختلافات والقدرات والتي بحاجة لتنميتها"

-من الأسئلة المحيرة لدى الكثيرين هو ما السبب الأساسي في التوحد، هل يوجد شيء محدد يكون هو السبب في وراء توحد الأطفال؟

للأسف حتى الآن لا يوجد سبب واضح وقاطع للتوحد، هكذا علقت كل من رانيا ونجوى. فليس السبب الأم أو تطعيم معين فالمتاح حاليًا بعض النظريات التي لا تنطبق على كل الأطفال لذا نقول دومًا أنه ليس مرض، لأنه لا يصيب الطفل فجأة أو بسبب شيء معين، ولكن الطفل يولد به ويبدأ في الظهور في المراحل السنية التي من المفترض أن يتطور الطفل بها بشكل طبيعي. فليس من المهم البحث عن سبب التوحد ولكن المهم تقبل الأمر والتعامل مع الطفل بشكل مناسب.

- هل من الضروري أن يكون طفل التوحد مصاب أيضًا بأي نوع من الاضطرابات الأخرى؟

علقت نجوى، "ليس من الضروري، فكل طفل يظهر لنا الأعراض بشكل وطريقة مختلفة، ولكن هناك أطفال يتم تشخصيها بالتوحد مع فرط الحركة، أو توحد مع اضطراب حسي، ولكن هذه ليست قاعدة، فيمكن أن يكون الطفل لديه توحد فقط".

أيضًا أوضحت رانيا قائلة "التوحد هو اضطراب قائم بذاته ولكن عادة وليست قاعدة عامة، تصاحبه بعض الاضطرابات الأخرى وأكثرها شيوعًا اضطراب فرط الحركة ADHD، اضطراب المعالجة الحسية".

- هل هناك مضاعفات للتوحد؟

أوضحت رانيا قائلة "ليست مضاعفات ولكنه تأخر، فبدًلا من أن يكتسب الطفل المهارات اللازمة في وقت مبكر، يتأخر في اكتسابها كلما تأخرنا في الاعتراف بأن الطفل لديه توحد أو تأخرنا في التشخيص، على عكس التدخل المبكر الذي يعمل على تنمية المهارات وتطويرها وزيادة قدرته على التواصل وتلبية احتياجاته واكتساب مهارات اجتماعية وحياتية.

- جميع أمهات أطفال التوحد، لديهن أمل في أن يشفى أطفالهن تمامًا، فهل بالفعل هناك علاج نهائي للتوحد؟

لابد أن يكون لدينا أمل في أن أطفالنا ستتحسن ويصبح لها دور وتعيش بسعادة وراحة، ولكن ليس أمل في الشفاء.. هكذا علقت نجوي وتابعت قائلة، "كما ذكرنا مسبقًا هو ليس مرض يمكن علاجه في فترة معينة، فالتوحد هو جزء من شخصية الطفل، وما نفعله هو تدخلات لمساعدة الطفل في أن يعيش في أفضل وضع يمكن تحقيقه".

لا يوجد علاج نهائي للتوحد، قالت رانيا وتابعت "ما يوجد هي تدخلات مبكرة لأطفال التوحد حتى تنمي مهاراتهم ونحسن استيعابهم وندمجهم في المجتمع، طفل التوحد سيظل لديه توحد، ولكن يمكن تطوير مهاراته وقدراته، سواء قدراته الاجتماعية أو الأكاديمية أو مهاراته الجسدية. ولا يوجد طفل طبيعي وآخر طبيعي، نحن من وضعنا معايير "الطبيعي". ولكن جميعنا طبيعيون وأطفال التوحد طبيعيون ولكن عندهم بعض الاختلافات والقدرات التي بحاجة لتنميتها ولديهم احتياجات بحاجة لتلبيتها.

- بعد تشخيص الطفل بالتوحد، ما الذي يجب على الأم فعله حتى تتعامل مع طفلها بشكل يتناسب معه؟

تقول نجوى، دور الأهل بشكل عام هام جدًا، فلابد من الأم أن تفهم جيدًا حالة طفلها، وتحرص على حضور الجلسات، بالإضافة حضور الجلسات الخاصة بتدريب الأم والأهل بشكل عام عن كيفية التعامل في المنزل مع الطفل، لأن كل هذا يفرق بشكل كبير في الخطة العلاجية الخاصة بالطفل.

أما رانيا، فأكدت أنه يجب على الأم استشارة أخصائين التدخل المبكر للمساعدة في تأهيل الطفل وتحسين مهارات الطفل، وعلى الأم أن تطلب من الأخصائين أن يوضحوا لها حالة الطفل بكل وضوح حتى تكون على دراية تامة بحالة طفلها.

نصيحة منك لأمهات أطفال التوحد…

نجوى: نصيحتي للأمهات إنها تكون حريصة دايمًا على متابعة طفلها وتعرف أكثر عن حالته واحتياجاته، ولا تعتمد على كلام شخص واحد على أنه ثقة، ففي التوحد لا يوجد شيء واحد يناسب الجميع، لذا من المهم أن تعرف الأكثر عن طفلها وعن احتياجاته، ولابد أن يكون هدف الأم هو إنشاء علاقة جيدة مع طفلها، وأن يشعر بالراحة. شيء آخر، يجب ألا تخجل الأم وتخفي شأن ابنها، بل يجب أن تتحدث عنه مع أمهات غيرها فربما تفيدهم أو تستفاد منهم.

رانيا: نصحيتي للأهل هي تلقي الدعم النفسي ومحاولة التعرف على غيرهم من الأسر الذين لديهم ظروف مشابهة حتى لا يشعرون بأنهم أصبحوا منعزلين عن العالم وأن حياتهم أصبحت غير مستقرة، أما الأمهات فأنا أنصحهم بضروة محاولة فهم حالة طفلهم وعدم مقارنته بغيره من الأطفال، وتحاول ملاحظة تطور طفلها حتى وإن كان التطور بسيط لأن هذا سيشعرها بالأمل كل ذلك بالتأكيد إلى جانب تلقيها دعم نفسي لأن هذا سيساعدها في التعامل مع طفلها.