كيف يجبر المجتمع ضحايا الاغتصاب وجرائم العنف الجنسي على الحياة المزدوجة؟
جاسمين كمال
10/19/22, 3:30 PM

هل تفضلين أدعوكي ضحية أم ناجية؟... سؤال طرحه صانع الأفلام الوثائقية على "آني" ميلا كونيس ضمن أحداث فيلم Luckiest Girl Alive، وقبل أن ترد عليه مستنكرة لفظ "ناجية"، قمت أنا باستنكاره مسبقًا. أليست الناجية هي التي حصلت على فرصة لتتعافى مما تعرضت له من وحشية سواء كان عنف أسري/ زوجي، تحرش، اغتصاب! حسنًا، كيف هو الحال إذا لم تنجو ولم تتعافى هل يصح أن نطلق عليها ناجية أيضًا! لقد كانت" آني" ضحية منذ البداية حتى النهاية، وأي فتاة تعرضت لما تعرضت له “آني” وسارت على نفس الخطى فهي ضحية، سواء كان يروق لك الحياة المزدوجة التي كانت تعيشها أم لا، ولكن تأكد أن السبب في هذه الحياة المزدوجة هو المجمتع...

كيف يجبر المجتمع ضحايا الاغتصاب وجرائم العنف الجنسي على عيش حياة مزدوجة؟

أعلم أن السؤال يبدو صادمًا بعض الشيء ويشير أصابع الاتهام لنا جميعًا، كوننا بطبيعة الحال جزء من المجتمع، ولكن للأسف هذه هي الحقيقة. دعونا نعترف أن الكثيرين يعيشون حياة مزدوجة، فكم مرة أظهرت شخصية غير شخصيتك خوفًا من التنمر، إصدار أحكام مطلقة عليك وغيرها؟ كثيرًا، أليس كذلك! حسنًا، الآن دعونا ننظر إلى ضحايا جرائم الاغتصاب وجرائم العنف الجنسي بشكل أعمق...

ماذا يحدث عندما تتعرض فتاة للاغتصاب / تحرش/ عنف جنسي؟

أولًا: تتعرض للانتهاك بوحشية وسلب حريتها وقوتها.

ثانيًا: تعيش في خوف كبير من مواجهة الأمر وفي تفكير مستمر فيما سيقوله من حولها إذا أرادت المواجهة.

ثالثًا: عندما تواجه وتحكي ما تعرضت له، يتم مهاجمتها بوحشية مع تأنيبها مثل لماذا لم ترفضي، لماذا ذهبتي لهناك، هل كنت في وعيك، هل قولت لا أم مجرد أنك أظهرت أنك غير مرتاحة وغيرها.

رابعًا: يتم تهديدها بأنها إذا كانت غير واثقة من كلامها فستتهم بتشويه سمعة أشخاص آخرين.

خامسًا: في الغالب لا تجد الدعم الذي تحتاجه ممن حولها، سواء الأسرة أو الأصدقاء وتصبح هي الملامة والمتهمة في نظر الجميع.

"٣٠٪ من النساء ضحايا الاغتصاب يعانين من اضطراب ما بعد الصدمة بعد مرور ٩ أشهر على حدوث الأمر"

سادسًا: يتم إسكاتها خاصة إذا كانت تواجه أشخاصًا ذو نفوذ قوية وهي لا تملك ١% من السلطة والقوة التي يملكونها.

سابعًا: يتم تشويه سمعتها بأنها هي من كانت على علاقة بهذا الشخص من البداية أو أنها بالأساس سيئة السمعة.

هل رأيت هذا التسلسل؟ هذا بالضبط ما حدث مع "آني" بطلة الفيلم، وهو ما يحدث يوميًا مع كل فتاة تتعرض لأية من الجرائم الجنسية بمختلف دول العالم، ربما تزداد قوته وحدته في دول الشرق الأوسط ولكن النساء جميعًا في مختلف بقاع الأرض يواجهن الأمر ذاته في هذا الشأن.

ماذا ينتج عن مرور ضحايا الاغتصاب/ التحرش/ الانتهاكات الجنسية بكل هذا الألم؟

جميعنا عندما نمر بلحظة من الألم والمعاناة، نريد من يأخذ بيدنا من يعترف بنا وبألمنا حتى وإن كان لا أحد يشعر به، يكفي فقط أن يقدره، وهذه الرغبة تزداد مع حجم المعاناة التي نمر بها. لذا فلك أن تتخيل مدى رغبة ضحايا الاغتصاب في دعم من حولهن وتصدقيهن. ولكن للأسف لا يمنحهن المجتمع ما يبحثون عنه لذا فيحدث الآتي:

١- التعايش مع صدمة شديدة يعانون من آثارها طوال الوقت.

٢- خوف مستمر مما سبق ومما قد يأتي.

٣- رغبة في حماية أنفسهن طوال الوقت.

٤- تبقى مشاعرهن وعقلهن عالقان في تلك اللحظة..

"يعاني ٧٩٪ إلى ٨٤٪ من ضحايا الاغتصاب من مشاكل في المجتمع، العمل، المنزل، الأصدقاء وغيرها"

وهذا يفسر موقف "آني" عندما شعرت بأنه لم يعترف أحد بما تعرضت له، لأنها كانت مجرد فتاة ذات طبقة اجتماعية أقل من مغتصبيها، ولأنها كانت على يقين أن والدتها لن تدعمها. حتى أن المدرس الوحيد الذي تضامن معها قامت المدرسة بفصله. وهذا ولد لديها شعور ورغبة ملحة في أن تصبح أقوى، ذات نفوذ وسلطة أعلى، تمتلك أموال أكثر  وازداد الأمر عندما أصبحت كاتبة ففي الوقت ذاته أصبح مغتصبها واحد من أكبر الملهمين الذين لهم جماهيرية كبيرة، وهذا يعني أنه مازال صاحب نفوذ أعلى منها، وفرصة تصديقها أقل، وهنا تبدأ رحلة الحياة المزدوجة…

ما معنى عيش حياة مزدوجة أو Living A Double Life ولماذا يلجأ لها الأشخاص؟

ببساطة الأشخاص الذين يعيشون حياة مزدوجة، هم لديهم حياتين، واحدة يعرفها الجميع وأخرى يخفونها تمامًا، مثل شخص متزوج من امرأة أخرى ولديه حياة ثانية لا يعلمها أحد، أو شخص لديه وظيفة سرية ليست معلنة أمام الجميع وهكذا. فالأمر هنا ليس كونه يخفي أسرار حياته الشخصية أو سر ما ولكنه يكون لديه حياة كاملة تمامًا لا يعرفها أحد ويتظاهر بشخصية مختلفة تمامًا، وفي الغالب يخفي هؤلاء الأشخاص الحياة الثانية حتى عن أقرب الأشخاص لهم. وكما تحدثنا بالأعلى، فالحياة المزدوجة تكون في الغالب ناتجة عن صدمة نفسية قوية، فهو يرى أن جزء من شخصيته مخز ولا يجب أن يظهر للعلن، سواء كان هذا الجزء لأنه يفعل أشياء غير صائبة، أو لأنه يستضعفه، أو لأي سبب به، في النهاية هو يخفيه لأنه غير فخور به، ويخشى من ردة فعل المحيطين به عليه.

وبالنظر لهذا فنستطيع أن نفهم لماذا لجأت “آني” وضحايا الاغتصاب/ التحرش عموما لخلق شخصية جديدة لأنفسهم، يخبأون ورائها لحظات الضعف والحسرة والشعور بالخزي تجاه شيء لم يفعلوه بالأساس، حتى يتعايشوا مع صدمتهم لأنهم لم يجدوا من يخرجهم منها ولم يبقى أمامهم سوى التعايش معها بطريقتهم.

إذًا، ما الذي يجب فعله تجاه ضحايا الاغتصاب/التحرش/ العنف الجنسي بأشكاله حتى لا يقعوا في فخ الحياة المزدوجة؟

قد ينظر البعض للأشخاص الذي يعيشون حياة مزدوجة بأنهم على مايرام، ولكن للأسف هذا خطأ تمامًا. فهم أشخاص يتعايشون مع ضغط نفسي وألم طوال الوقت. هم يخلقون شخصية مزيفة لأنفسهم، ربما تقع في حبها أو تعجب بها يومًا دون أن تعلم الحقيقة. مثلما حدث مع "آني" عندما قررت مواجهة خطيبها بحقيقتها قبل زفافها بأيام. لذا فالحياة المزدوجة ليست شيء على ما يرام بالمرة. لذا إذا وجدت امرأة ضحية اغتصاب/ تحرش/ عنف جنسي فلا تدفعها لعيش حياة مزدوجة، ولكن افعل الآتي...

- صدق ما تقوله حتى وإن كانت تتحدث عن شخص تعرفه، فلا تخبرها بأنك لا تصدق أن شخص كهذا يفعل ذلك.

- لا تحاول تحجيم مشاعرها أو تقليل قدر ألمها.

- لا تطرح أسئلة تندرج تحت لماذا/ لماذا ذهبت إلى هناك/ لماذا لم تبتعدي/ لماذا ارتديتي ذلك/ لماذا صرخت بوجهه/ لماذا لم تدفعيه وغيرها.

- اسألها عن أكثر شيء تريده حاليًا لمساعدتها، هل تريد الذهب للمستشفى، الشرطة أو العودة للمنزل.

- تأكد من تكرار جملة "هذه ليست غلطتك" أكثر من مرة، لأن الضحية في هذا الوقت تلوم نفسها وتشعر بالذنب تجاه شيء لم تفعله بالأساس.

- اظهر لها دعمك الكامل حتى تشعر بقدر من الأمان وأن هناك من يصدق روايتها وهذا يعني أنه يحتمل أن يصدقها أشخاص أخرون.

- لا تضعها تنغلق على نفسها وتقع في فخ "التروما" الذي بدوره سيقودها إلى سلسلة من الأزمات إذا لم تتعافى منها ستجدها تعيش بشخصيتين فيما بعد.

"نصدق الضحايا والناجيات"

translation is not available

author-image
جاسمين كمال

أحبت العمل بالكتابة منذ صغرها لذلك بدأت في العمل بالصحافة في سن صغير. وجدت سحر خاص في القراءة والكتابة عن المرأة وكل ما يتعلق بها وبحياتها. تقضي معظم وقتها في سماع الموسيقى وخاصة الأغاني الفرنسية لحبها الشديد لهذه اللغة. لا تفضل البقاء في المنزل فتجد متعتها في التجول حتى وإن كان بلا هدف.


top-arrow